السعيد شنوقة
105
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وهكذا تجد الاختيار أساس التكليف « 1 » عند المعتزلة يرتبط كما ذكرنا قبل بالعدل الإلهي الذي « قد يذكر ويراد به الفعل ، وقد يذكر ويراد به الفاعل » « 2 » . والعدل الإلهي عند استعماله في الفعل أو إذا وصف به الفعل إنما « هو توفير حق الغير واستيفاء الحق منه » « 3 » ويذكر بعض الدارسين أن ارتباط ذلك بالمسألة الخلقية وجهه أن نوفر حق الإنسان بقدرته على الاختيار ليصح سؤاله لم فعل هذا ولم يفعل ذاك ؟ فالفاعل يسأل عن قدر الفعل الواقع منه على وجه هو اختيار من بين أوجه عدّة يمكن أن يقع عليها . أما معنى استيفاء الحق منه فيكون بإثابته على ما حسن اختياره أو بعقابه على ما أساءه « 4 » . أما حد العدل الإلهي في الفاعل في اصطلاح المعتزلة فيذكره القاضي عبد الجبار « فأما إذا وصف به الفاعل فعلى طريق المبالغة كقولهم للصائم صوم ( . . . ) ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم : فالمراد به أنه لا يفعل القبيح أو لا يختاره ولا يخل بما هو واجب عليه ، وأن أفعاله كلها حسنة » « 5 » . ولما كان السؤال لا يصح بإلغاء الاختيار وبإلجاء المسؤول لأن في هذا قبحا ، والله جل وعز لا يفعل القبيح فإنه ترتب عليه أن لا سؤال ما لم تكن حرية المسؤول . يدلنا على هذا من المشاهدة أن الواحد منا إذا علم القبيح ووجه قبحه واستغناءه عنه لا يختاره ولا يفعله . وبما أن طرق الأدلة لا تختلف شاهدا وغائبا « 6 » اقتضى ذلك أن لا يفعل الله القبيح ولا يسأل الإنسان إلا عما اختاره لأن تعذر هذا يمكن أن يحمل إلى أن يسأله الله تعالى عن أشياء لم يفعلها ، ولصحّ تكليفه ما لا يطيق عليه ، وكل هذا قبيح بحقه جل وعز . وقد نص الزمخشري على أن الاختيار أساس التكليف ؛ وذلك عند تفسير قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [ هود : 118 ] قال : « يعنى لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمة واحدة أي ملة واحدة وهي ملة الإسلام
--> ( 1 ) التكليف : إلزام ما فيه كلفة : زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري أبو يحيى ، ( ت 826 ه ) ، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة ، تحقيق د . مازن المبارك ، ط 1 ، در الفكر المعاصر ، بيروت 1411 ه ، ص 68 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ( م . و . ف . م ) الجزائر ، ج 2 ، ص 3 . ( 3 ) م ن ، ج 2 ، ص 3 . ( 4 ) انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 306 . ( 5 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 3 . ( 6 ) م ن ، ج 2 ، ص 5 .